محمد غازي عرابي

816

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والأزواج لا يكن أمهات ، وللقول رقيقة ، ذلك أن الزوجة للمشاركة والمباضعة ، فمن دون الزوجة لا يتحقق الاتحاد بين الفاعل والمنفعل ، بين الموجب والسالب ، بين الذكر والأنثى أما الأم فلها شأن آخر ، فهي تحمل وتضع وترضع ، فهي هنا إشارة إلى الكليات اللواتي يحملن ويضعن ويرضعن الجزئيات من الصفات حتى تنمو الصفة ويبلغ صاحبها أشده فيكون مظهرا لها ، فالأم البداية ، وفتق الصفة أمر متعلق بالتزاوج نفسه ، فللأم دور وللزوجة دور ، واللّه أعلم . والأدعياء ليسوا أبناء ، وللأمر رقيقة أيضا . . . إذ ما دام الإنسان وجودين ظاهرا وباطنا ، فالظاهر علاقة الأبناء بالآباء وهي علاقة صورية طبيعية معروفة ، أما من منظور الباطن فالأبوة الحقيقية للأب الباطني ، الذي هو الروح الفاعل الذي نفخ في مريم النفس ، والذي هو النور المحمدي المربي الهادي ، ولهذا قال عليه السّلام : أنا أبو الأرواح وآدم أبو البشر . فالعيان من النبي ليس أبا لمن تبناه وهو زيد بن حارثة ، وحقيقة النبي هي الأب الحقيقي بل هي الأب الكلي للبشرية جمعاء . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 5 ] ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 5 ) [ الأحزاب : 5 ] للآية بطنان الأول قوله سبحانه : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أي الآباء الطبيعيون إن عرفوا أو الإخوان في الدين ، والثاني الآباء الباطنون أي المعقولات الحاكمات للإنسان ، والتي هي بمثابة الآباء تلد العقل الطبيعي وتعلمه وتخرج إمكاناته وقواه . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 6 ] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 6 ) [ الأحزاب : 6 ] سبق أن تحدثنا عن حقيقة النبي التي هي النور الأول ، ولكونه عليه السّلام الأول في الوجود فلقد احتل مكانة خاصة أزلا ، وكان أزواجه بالتالي أمهات المؤمنين ، إذ الأم الصفة ، والأمهات الصفات ، فالنبي كنور فاعل في الصفة ، والصفة تحمل وتضع الموصوف ، وعلى الموصوف احترام الصفة ، أي توقير والديه الباطنين . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 7 ) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 8 ) [ الأحزاب : 7 ، 8 ]